روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
3
عرائس البيان في حقائق القرآن
الجزء الأول بسم اللّه الرّحمن الرّحيم التقديم الحمد للّه المنعم المحسن الدّيان ، الملك القدوس العزيز الرحمن ، المحمود بكل لسان ، في كل حال وسائر الزمان ، الذي خلق الإنسان وعلمه البيان ، ورزقه قلبا مدركا للأشياء بالحجة والبرهان ، ثم كرمه بمواهب فضله من الخلافة والعرفان ، وفضله بعرائس العقائد الحقة من محجة الإسلام والإيمان ، التي لم يطمثهن قبل أصناف الملائكة ولا طوائف الجان ، وأوضح الحق بكتابه المجيد ، وخطابه الحميد الفرقان كلاما يحق الباطل بين يديه ويزهق منه الشيطان ، وله في كشف الحقائق والتبيان شأن لا تكتنهه الأفكار والأذهان حيث لا توازيه الزبر ، ولا تساويه الكتب في الفصاحة والبيان . ومهّد للطائعين من عباده المتقين بالجنان الجنان ، وبشرهم بأكبر من ذلك وأجل الأكوان الرضوان ، وهدد المعاندين الطاغين بالقهر والنيران ، لجهة الكفر والكفران ، وهيّأ لهم أنواع النكبة من المذلة وسوء الخسران ، وحين حدثت في الشوارع والطرائق صعاب المزالق والمضايق ، وخلطت الشرائع بأوهام مموهة وكلام زاهق ، بعث الرسول صلى اللّه عليه وسلّم إلى أهل المغارب والمشارق بالآيات البينة ، والخوارق النيرة التي تضيء الآن كالبدر ، ولم تكسف مع تراكم ليالي العوائق من الحوائج والطوارق . فبيّن لهم جهارا أسرار الحقائق ، وصدع بكشف القناع عن وجوه الدقائق ، من دون أن يفرق بين المخالف والموافق ، ويخصص المؤمن الصادق من الكافر والمنافق ، صلى اللّه البارئ الخالق عليه ، وعلى آله وصحبه المنتسبين إليه بخير العلائق ، ما أظلم الظلام ، وأشرقت المشارق ، ويميز الجيد من الزائف ، والردى من الرائق ، وما ابتسمت الأزهار بالرياح في الحدائق ، وتنسمت الرياحين والشقائق على عوالي الأعلام والشواهق . وبعد . . فلما كان علم التفسير أحسن العلوم الإلهية كلها ، وأعز من سائر الفنون وأجلها إذ هو للعقائد الدينية أقدم الأصول وأهمها ، ولإدراك المسائل الفقيهة رأس المباني وأمها ، ولاستنباط الأحكام الظاهرة الشرعية بناء وأساس ، ولاكتساب المعارف الباطنة من الطريقة والحقيقة ، والمعرفة مصباح ونبراس ، وإلى الأول منهما قد التفت أكثر الناس قديما وحديثا ، وتوجهوا نحو التفسير على وجه الشريعة تصنيفا وتأليفا ، ولم يتعرضوا للثاني إلا قليلا ، فإنه مسلك أدق وخطب جليل ، إذ هو بحر لا يدرك ساحله ، وصراط قلّ من أن يسلم سالكه ، ولا يعبّره إلا من أتى اللّه بقلب سليم أو وفق من اللّه العظيم ، لهذا الأمر الجسيم .